محمد هادي معرفة
550
شبهات وردود حول القرآن الكريم
المقدوني ، والتي لا تدع مجالا لاحتمال كونه ذا القرنين المذكور في القرآن ، ولا احتمال أن يكون هناك إسكندران : روميّ ويونانيّ - كما حسبه البعض - لأنّ القضية تعود إلى وثائق التاريخ وليس هناك عبث في الكلام . . . « 1 » ومن المعاصرين ، ذهب الأستاذ محمد جمال الدين القاسمي ( ت 1322 ه ) إلى أنّ ذا القرنين الذي جاء ذكره في القرآن ، هو الإسكندر الكبير المقدوني . « 2 » يقول : اتّفق المحقّقون على أنّ اسمه ( ذا القرنين ) الإسكندر الأكبر ابن فيلبس باني الإسكندريّة بتسعمائة وأربعة وخمسين سنة ( 954 ) قبل الهجرة ، وثلاثمائة واثنين وثلاثين ( 332 ) سنة قبل ميلاد المسيح عليه السّلام . وردّ على ابن القيّم ابن الجوزيّة في زعمه : أنّه سبق هذا الإسكندر بقرون كثيرة . . . قال ابن قيّم - في كتابه « إغاثة اللهفان » في الكلام على الفلاسفة - : ومن ملوكهم الإسكندر المقدونيّ وهو ابن فيلبس ، وليس بالإسكندر ذي القرنين الذي قصّ اللّه تعالى نبأه في القرآن ، بل بينهما قرون كثيرة ، وبينهما في الدين أعظم تباين . فذو القرنين - في القرآن - كان رجلا صالحا موحّدا للّه تعالى ، يؤمن باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . وكان يغزو عبّاد الأصنام ، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وبنى السدّ بين الناس وبين يأجوج ومأجوج . وأمّا هذا المقدونيّ فكان مشركا يعبد الأصنام هو وأهل مملكته . وكان بينه وبين المسيح نحو ألف وستّمائة سنة ( ! ! ) . « 3 » والنصارى تؤرّخ له . وكان أرسطاطاليس وزيره وكان مشركا يعبد الأصنام . . . وهنا يأتي القاسمي ليردّ عليه قائلا : إنّ المرجع هم أئمّة التاريخ ، وقد أطبقوا على أنّه ( أي ذي القرنين ) هو الإسكندر الأكبر ابن فيلبس باني الإسكندرية . وقد أصبح ذلك من الأوّليّات عند علماء الجغرافيا . . . . وأمّا ما جاء في وصفه في القرآن ، فلعلّه لخصال حسان لا تمسّ جانب عبادته
--> ( 1 ) راجع ما كتبه بهذا الشأن ، في كتابه القيّم « مفاهيم جغرافيّة في القصص القرآني » ، ص 50 - 130 . فإنّه جيّد دقيق ! ( 2 ) تفسير القاسمي ، ج 5 ، ص 54 . ( 3 ) لقد اشتبه الأمر عليه كثير ، إذ الإسكندر المقدوني كان قبل المسيح بثلاثمائة وثلاث وثلاثين سنة . نعم ذكروا أنّ الفصل الزماني بين ذي القرنين الذي جاء ذكره في القرآن والذي كان على عهد إبراهيم الخليل - حسبما زعموا - هو نحو هذا العدد ( 1600 سنة ) !